منوع

انتشار ظـ.ـاهرة معـ.ـيبة في سوريا والأطفال يتصدرون المشهد وتحـ.ـذيرات من نتائجها الكـ.ـارثية

انتشار ظـ.ـاهرة معـ.ـيبة في سوريا والأطفال يتصدرون المشهد وتحـ.ـذيرات من نتائجها الكـ.ـارثية

لطالما ارتبطت ظاهرة “التسول” الخاصة بالأطفال والمنتشرة في عدة مجتمعات بساحة واحدة هي الشوارع والأزقة. يمدون يدهم لا إراديا ويطلبون الأموال مرددين عبارات استجداء ودعاء، وبينما لا تزال هذه الظاهرة مستمرة حتى يومنا هذا تطورت حديثا، لتستنسخ من العالم الحقيقي إلى الافتراضي.

وهذا الاستساخ حوّل الساحة من الشارع والزقاق إلى الظهور على شاشة صغيرة ضمن خاصية البث المباشر وعن بعد.

وفي وقت بقيت فيه عبارات الاستجداء قائمة، اختلفت عملية الحصول على الأموال، فيما بقي “قاسمٌ مشتركٌ واحد” بين هذين النوعين، يتعلق بـ”الوسطاء”، أو كما يعرفون بـ”الشبكات”.

قبل أسبوع نشرت شبكة “bbc” تحقيقا استقصائيا كشفت فيه عن “استغلال” تطبيق “تيك توك” للسوريين في مخيمات اللجوء، إذ تأخذ الشركة المالكة نسبة 70 بالمئة من التبرعات الممنوحة لأطفال يتسولون عبر البث المباشر على منصتها.

ووجدت “bbc” في مخيمات شمال غربي سوريا، أن البث يتم تسهيله من قبل أطراف يطلق عليهم اسم “وسطاء تيك توك”. وهؤلاء يزوّدون العائلات بالهواتف والحسابات والمعدات لبدء طلب المساعدات على التطبيق.

تعيش في مخيمات الشمال السوري عشرات الآلاف من العائلات، في ظل ظروف معيشية وإنسانية توصف بـ”الصعبة”، وقد بات الشغل الشاغل للكثير منها تأمين الغذاء والماء الذي تتطلبه الحياة اليومية، حسب ما أشارت إليه مرارا منظمات الأمم المتحدة.

ومع انسداد الأفق أمام أي انفراجة إنسانية أو معيشية، اتجهت هذه العائلات في الفترة الأخيرة للبحث عن أساليب تؤمن من خلالها لقمة العيش، ليكون تطبيق “تيك توك” واحدا منها، لكن على حساب الأطفال.

ولم تكن فكرة اللجوء إلى هذا المسار سابقة، بل كانت مستجدة، وما زاد انتشارها الرواج الكبير الذي شهده التطبيق، وكثرة الحديث المتعلق بشأن التبرعات التي يكسبها المستخدم عبره، من خلال الظهور بـ”بث مباشر” فقط.

“الأطفال في الواجهة”
أورد التحقيق قصة “منى علي الكريم” وبناتها الست، وكيف يستولون المشاهدين في كل يوم لمنحهن “هدايا افتراضية”. تجلس الأسرة على أرض خيمتها في شمال سوريا لساعات، وتكرر العبارات الإنكليزية القليلة التي تعرفها: “إعجاب رجاءً، مشاركة رجاءً، هدية رجاءً”.

لكن حالة “منى” التي تظهر مع بناتها القصّر ليست الوحيدة بل هي من بين عشرات الحالات.

وحسب ما رصد موقع “الحرة” على تطبيق “تيك توك”، انسحبت الظاهرة على رجال أيضا. أحدهم كان يخرج بشكل شبه يومي ببث مباشر من داخل خيمته، بينما أطفاله ممدين إلى جانبه وهم نيام، مستجديا الحصول على الدعم والهدايا الافتراضية، والتي يمكن سحبها نقدا فيما بعد.

وفي حين كان هناك آخرون يطلبون التبرعات، محاولين إظهار أطفالهم بمشاهد “مأساوية”، اتجه مصابون ومعاقون للظهور أيضا عبر “البث المباشر” في “تيك توك”، طالبين الحصول على “الدعم”.

علاوة على ذلك، تحدث نشطاء وصحفيون في شمال سوريا لموقع “الحرة” عن أساليب أخرى باتت رائجة على نحو كبير في المنطقة هناك، إذ يعمّد بعض الأشخاص على تصوير بعض الأطفال في المخيمات والتسول على حسابهم عبر “تيك توك”، ناشرين تفاصيل حياتهم الصعبة التي يعيشونها عبر “البث المباشر”، ومع إظهار وجوههم.

والغرض من هذه العملية الحصول على الهدايا الافتراضية من جهة، ولكسب متبرعين يتم وصلهم فيما بعد مع الأطفال أو عائلاتهم من أجل إرسال الأموال بصورة مباشرة. وهذه الطريقة تتم بعد نشر أرقام التواصل في التعليقات.

“خفايا وسطاء الداخل”
ولا يعتبر الخروج بـ”بث مباشر” في “تيك توك” أمرا سهلا بالنسبة للكثير من العائلات، فالأمر في البداية كان يتطلب خبرة في إنشاء حساب أو حتى الحصول على معدات من جهاز وشبكة إنترنت، ومن ثم متابعون وإعجابات لتحقيق شروط الظهور.

ولعب ما يعرفون بـ”الوسطاء” دورا بارزا في هذه النقطة، إذ كانوا يعملون على تزويد العائلات بالهواتف والحسابات والمعدات، لبدء طلب المساعدات على التطبيق، في مقابل الحصول على نسبة من أرباح الهبات الافتراضية، مثل “الأسد” الذي تبلغ قيمته 500 دولارا.

وكشف التحقيق الاستقصائي أن “الوسطاء” يتلقون دعما من “وكالات بث مباشر” في الصين، تعمل مع تيك توك بشكل مباشر. وهذه الوكالات المعروفة أيضا باسم “نقابات البث المباشر”، هي جزء متنامٍ من استراتيجية التطبيق التجارية العالمية لجذب مستخدمي البث المباشر إلى منصتها.

وقد تعاقدت “تيك توك” معهم لمساعدة صانعي المحتويات على إنتاج بث مباشر أكثر جاذبية. وهذا من شأنه تشجيع عدد أكبر من الناس على استخدام التطبيق ولفترات أطول، لجذب المزيد من الإعلانات والهدايا، وهذا بدوره يزيد الأرباح.

بدوره يتحدث أحمد بربور، وهو مهندس اتصالات يقيم في محافظة إدلب السورية، عن أنواع مختلفة من “الوسطاء”، وكيف أنهم يقتصون نسبا من الأرباح المتبقية للعوائل، والتي تستقر عند رقم 30 بالمئة، وأقل من ذلك.

ويشير بربور في حديثه لموقع “الحرة” إلى أن المبلغ المتبقي من الأرباح بعد اقتطاع التطبيق حصته يخضع أيضا لـ”اقتطاعات أخرى”، سواء في بداية تأمين جهاز هاتف وتحميل التطبيق، ووصولا إلى مرحلة سحب الأموال.

يقول المهندس: “هناك نوع الوسطاء مهمته تأمين جهاز الهاتف للعوائل وتحميل التطبيق وفتح الحساب، ومن ثم البدء بعملية الترويج ومنح المتابعين لكي تتمكن العائلة من الخروج ببث مباشر. هذه العملية تتطلب كسب 1000 متابع حقيقي”.

وتفرض هذه العملية على العائلة منح جزء من أرباحها لهذا الطرف، بعد عملية سحبها نقدا.

ويضيف بربور: “الأشخاص الذين يتولون العملية لديهم مراكز تخديم متعلقة بالأجهزة المحمولة وشبكات الإنترنت. البعض منهم يمتلك أكثر من حساب على تيك توك وأكثر من جهاز. مثلا يبيعون 100 متابع بـ100 ليرة تركية”.

وبعدما تتلقى العائلة الهدايا الافتراضية تدخل في مرحلة أخرى تتعلق بآلية سحب الأموال، ونظرا لصعوبة هذا الأمر في مناطق الشمال السوري، تضطر لقصد “وسطاء آخرين”.

ويتابع المهندس السوري: “هنا يأتي دور أشخاص مختلفين يتولون تسهيل استلام المبالغ المجموعة جراء البثوث المباشرة من خارج الحدود، لكن في مقابل حصولهم على نسبة من الأرباح أيضا”.

وعلى اعتبار أن تطبيق “تيك توك” يفرض حضرا وقيودا على ظهور الأطفال تحت سن الـ18، إلا أنه “لا يتم فرضها على المحتوى المنتشر في الشمال السوري”، حسب تعبير بربور، معتبرا أن “هذا الأمر مثير للشك”.

“تكريس التسول”
في غضون ذلك، تحدث الناشط الإعلامي “أحمد” المطلع على ظاهرة التسول عبر خاصية “البث المباشر” في مخيمات الشمال، بينما يمتلك حسابا في “تيك توك” ويتابعون الآلاف عن “خطر الوسطاء وأنهم أصل المشكلة”، حسب تعبيره.

وأشار الناشط الإعلامي، الذي فضّل عدم ذكر اسمه كاملا، إلى مرحلتين مرّت بهما هذه الظاهرة، خلال الفترة الأخيرة.

أولى هذه المراحل شهدت تواصل مستخدمين في “تيك توك” من خارج سوريا مع آخرين في الداخل ضمن المخيمات، إذ كانوا يطلبون تصوير “حالات إنسانية لعرضها ضمن خاصية البث المباشر”، كي “يستفيد كل الأطراف”.

ويضيف أن “طرفا هذه المعادلة، شخص في الخارج وآخر يلقب بشوفير الهاتف أو سائق الكاميرا في الداخل. الأخير كان يمسك الهاتف ويصور الأطفال والعائلات المحتاجة، بغرض التسول والحصول على الهدايا الافتراضية”.

ويتابع الناشط لموقع “الحرة”: “كانوا يكسبون الأرباح والتي يتم الاتفاق عليها بشكل مسبق، بينما يترك للعائلة المستهدفة مع أطفالها الفتات، أو يتاح لها وضع أرقام التواصل معها، كي يتواصل معها أحد المتبرعين مباشرة”.

لكن وخلال الفترة الأخيرة، أصبحت الكثير من العائلات تعي حجم الخسارة في هذه العملية، ما دفعها للاعتماد على نفسها في إنشاء الحسابات، وتحصيل الأموال بعد التواصل مع أقربائهم في الخارج.

ومع ذلك، يشير الناشط إلى ظاهرة أخرى باتت تلقى رواجا أيضا في المنطقة، حيث باتت بعض العائلات التي تحظى بنسبة متابعين كبيرة في “تيك توك” تتوجه إلى أخرى محتاجة للظهور عبر البث المباشر، في مقابل تقاسم الأرباح.

“هناك أناس تمرست على التسول وباتت مستفيدة، لكن بشكل عام الوسطاء هم أصل المشكلة. هؤلاء يكرسون ظاهرة التسول”، حسب تعبير الناشط.

من يتحمل “الوصمة”؟
وتشترط قواعد “تيك توك” أن يكون لديك ألف متابع قبل أن تتمكن من الظهور عبر ميزة البث المباشر، وبأنه ينبغي على المرء ألا يطلب الهدايا بشكل مباشر، وأن: “يمتنع عن أذية أو تهديد أو استغلال” القاصرين عبر تلك المنصة.

لكن ولاختبار مدى التزام التطبيق بتطبيق سياسته المتعلقة بحماية الأطفال، استخدمت “bbc” ميزة للإبلاغ عن أكثر من 30 حسابا لأطفال يتسولون. حينها، نفت “تيك توك” وجود انتهاك في أي من هذه الحسابات.

وعندما اتصل معدو التحقيق مباشرة بالشركة، قامت الأخيرة بحظر كل تلك الحسابات، وقدمت بيانا جاء فيه: “نحن قلقون للغاية من المعلومات والادعاءات التي قدمتها bbc لنا، وقد اتخذنا إجراءات فورية وصارمة. إن هذا النوع من المحتوى غير مسموح به على منصتنا، ونحن نعمل على تعزيز سياساتنا العالمية المتعلقة بالتسول الاستغلالي”.

توضح ليلى حسو، مديرة الاتصال والدعوة في شبكة “حراس الطفولة”، وهي مؤسسة خيرية تعمل على حماية الأطفال في سوريا أنه ومن وجهة نظر حماية الطفل فإن عملية ظهوره بالمقام الأول على منصة “تيك توك”، وبمشهد ذليل دون رقابة هو “انتهاك بحق ذاته”، مشيرة إلى أن “الطفل غير واع لتبعات ظهوره على منصات السوشيال ميديا وتوابعها ومخاطرها”.

وتقول حسو لموقع “الحرة”: “أولى هذه المخاطر ما يتحدث عنها التحقيق، وهو استغلال الطفل لجلب المال وأكبرها هو الاتجار بالأطفال”.

وظهور الطفل ضمن مقاطع فيديو تشير عن مكان وجوده وهشاشة وضعه “يساعد التجار بهذه الفئة” إلى الاستدلال عن أماكن تواجدهم، والتعرف على مكانهم وهويتهم للوصول لهم في ما بعد وإيذائهم.

علاوة على ذلك، تضيف المتحدثة: “هناك وصمه اجتماعية سوف يعاني منها الطفل فيما بعد عندما يكبر، إذ سيظهر بمظهر الذليل على المنصات الاجتماعية، ومن الصعب جدا التخلص من هذه الوصمة، خاصة في عمر المراهقه”.

وذلك ما يعرض الطفل لمشاكل نفسية كثيرة، قد تؤدي في بعض الأحيان إلى التخلص من الحياة، وحمّلت حسو “تيك توك” مسؤولية وأمان هؤلاء الأطفال، وتابعت: “أحملها أيضا مسؤولية أي أذى قد يلحق بهم”.

“فرص ومخاطر”
ويعيش 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر، وأكثر من 80 بالمئة يعانون انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجهون أزمة اقتصادية أصبح فيها الغذاء والدواء والوقود بعيدا عن متناول العديد من العائلات.

ويحتاج 14.6 مليون سوري إلى مساعدات إنسانية، حسب أحدث تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA، ونزح ما يقرب من سبعة ملايين شخص داخليًا، بينما لجأ 5.5 مليون شخص إلى البلدان المجاورة.

ومع عدم قدرة المساعدات الإنسانية على تلبية احتياجات اللاجئين في المخيمات، يلجأ كثيرون إلى طلب المساعدات عبر الإنترنت لكسب المال، وتستمر مئات العائلات في البث المباشر لكسب لقمة عيشها.

محمد الحواري مسؤول الإعلام في مكتب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة “اليونيسيف” يقول إن “واحدا من كل ثلاثة مستخدمين للإنترنت هو طفل (0-18 عاما”.

وتقدر المنظمة التابعة للأمم المتحدة أن 71 في المئة من الشباب متصلون بالإنترنت بالفعل.

ويضيف الحواري لموقع “الحرة”: “نظرا لأن الأطفال والشباب والعائلات يستخدمون الإنترنت والهواتف المحمولة للحصول على المعلومات والمساعدة، وللإبلاغ عن حوادث الاعتداء، يمكن أن تساعد هذه التقنيات في حماية الأطفال والشباب من العنف والاستغلال”.

ويتابع: “قد يكون لدى بعض الأطفال فهم جيد للمخاطر عبر الإنترنت وكيفية التعامل معها. ومع ذلك، لا يمكن قول هذا عن جميع الأطفال في كل مكان، لا سيما بين الفئات الضعيفة مثل مجتمعات اللاجئين”.

وقد تسبب الأوضاع الاقتصادية الهشة للاجئين تحديدا أو فئات المجتمعات الفقيرة عامل مؤثر في تسرب الأطفال خارج المدارس، وإرسالهم إلى سوق العمل أو كسب أموال من خلال برامج التواصل الاجتماعي.

ويوضح الحواري أن “تقدم الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية فرصا ومخاطر على حد سواء للأطفال والشباب. فعندما يستخدم الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي، فإنهم يستفيدون من العديد من الفرص للاستكشاف والتعلم والتواصل وتطوير المهارات الأساسية”.

وينظر الأطفال إلى الشبكات الاجتماعية على أنها منصات تتيح لهم استكشاف هويتهم الشخصية في بيئة آمنة. “إن امتلاك المهارات ذات الصلة ومعرفة كيفية معالجة القضايا المتعلقة بالخصوصية والسمعة أمر مهم للشباب”.

وبالمثل، تمكّن برامج التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت الأطفال من الوفاء بحقهم الأساسي في اللعب، فضلا عن بناء الشبكات، وقضاء الوقت مع الأصدقاء والتعرف على أصدقاء جدد، وتطوير مهارات مهمة.

لكن وفي حين أن هذا يمكن أن يكون إيجابيا بشكل كبير، إلا أنه في بعض الحالات، إذا تُرك دون مراقبة من قبل شخص بالغ مسؤول، يمكن أن تشكل منصات التواصل أيضا خطرا على الأطفال، وفق الحواري.

ويتابع: “يتضمن ذلك جمع البيانات الشخصية للأطفال، والتنمر عليهم من قبل المتابعين أو المجتمعات المحيطة بهم عبر الإنترنت أو في أماكن سكنهم، وخطاب الكراهية، والعنف، والتعرض لسلوك أو محتوى غير لائق، اللعب بشكل مفرط والمخاطر المالية المرتبطة بعمليات الشراء المفرطة”.

ولا تقتصر هذه المخاطر على بيئة برامج التواصل الاجتماعي، ولكنها تنطبق على البيئات الرقمية الأخرى مثل الألعاب حيث يقضي الأطفال وقتا”، ويشير مسؤول الإعلام في “اليونيسيف” إلى أن الأخيرة “ترى أهمية توفير شبكة حماية اجتماعية حتى لا تتعرض هذه الفئات لأي نوع من أنواع الاستغلال”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى